الشيخ محمد رشيد رضا
170
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أقوى منهما ، « 1 » فإذا اجتمع الاسلام والايمان والاحسان وزالت الحجب الشاغلة عن اللّه امتلا القلب والجوارح بذلك النور ، لا بالنور الذي هو صفة الرب تعالى فان صفاته لا تحل في شيء من مخلوقاته . كما أن مخلوقاته لا تحل فيه فالخالق بائن عن المخلوق بذاته وصفاته فلا اتحاد ولا حلول ولا ممزجة . تعالى اللّه عن ذلك كله علوا كبيرا » اه أقول هذا التصوف الموافق للكتاب والسنة لا تصوف ابن عربي والفرق بين نفى كل منهما للحلول ان هذا يقول إن الخلق والخالق شئ واحد والشئ لا يحل في نفسه والآخر يقول إن النسبة بينهما المباينة التامة . وهذا التوحيد هو الحق الذي كان عليه السلف الصالح ( رض ) وقال المحقق ابن القيم ( رح ) في فوائد الذكر من الكلم الطيب وهو : « ان الذكر نور للذاكر في الدنيا ، ونور له في قبره ، ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط « 2 » في استنارة القلوب والقبور بمثل ذكر اللّه تعالى قال تعالى ( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ؟ ) فالأول هو المؤمن الذي استنار بالايمان باللّه ومحبته ومعرفته وذكره . والآخر هو الغافل عن اللّه تعالى المعرض عن ذكره ومحبته . والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور . والشقاء كل الشقاء في فواته . ولهذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعله في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه حتى يقول « واجعلني نورا » فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة ، وأن يجعله محيطا به من جميع جهاته ، وأن يجعل ذاته وجملته نورا ، فدين اللّه تعالى عز وجل نور ، وكتابه نور ، ورسوله نور ، وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ ، وهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض ومن أسمائه النور ، وأشرقت الظلمات لنور وجهه ، وفي دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الطائف « أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات
--> ( 1 ) انما كان نور الاحسان أقوى لأنه عبارة عن الاحسان في الاسلام والايمان فهو الكمال فيهما عملا واعتقادا ( 2 ) كذا والظاهر أن ههنا حذفا قبل قوله « في استنارة